أحمد بن محمد ابن عبد ربه الأندلسي

229

العقد الفريد

أوصيكم بتقوى اللّه وطاعته ، والعمل بكتابه وسنة نبيه صلّى اللّه عليه وسلم ، وصلة الرحم ، وتعظيم ما صغرت الجبابرة من حق اللّه ، وتصغير ما عظّمت من الباطل ، وإماتة ما أحيوا من الجور ، وإحياء ما أماتوا من الحقوق ، وأن يطاع اللّه ويعصى العباد في طاعته ؛ فالطاعة للّه ولأهل طاعة اللّه ، ولا طاعة لمخلوق في معصية الخالق ؛ ندعو إلى كتاب اللّه وسنة نبيه ، والقسم بالسوية ، والعدل في الرعية ، ووضع الأخماس في مواضعها التي أمر اللّه بها ؛ إنا واللّه ما خرجنا أشرا « 1 » ولا بطرا « 2 » ولا لهوا ولا لعبا ؛ ولا لدولة ملك نريد أن نخوض فيها ولا لثأر قد نيل منّا ؛ ولكنا لمّا رأينا الأرض قد أظلمت ، ومعالم الجور قد ظهرت ، وكثر الادّعاء في الدين ، وعمل بالهوى ، وعطّلت الأحكام ، وقتل القائم بالقسط « 3 » ، وعنّف القائل بالحق - سمعنا مناديا ينادي إلى الحق وإلى طريق مستقيم ، فأجبنا داعي اللّه ، فأقبلنا من قبائل شتى ، قليلين مستضعفين في الأرض ، فآوانا اللّه وأيدنا بنصره ، فأصبحنا بنعمته إخوانا ، وعلى الدين أعوانا . يأهل المدينة ، أوّلكم خير أوّل ، وآخركم شرّ آخر ؛ إنكم أطعتم قراءكم وفقهاءكم فاختانوكم عن كتاب غير ذي عوج ، بتأويل الجاهلين ، وانتحال المبطلين ؛ فأصبحتم عن الحق ناكبين « 4 » ، أمواتا غير أحياء وما تشعرون . يأهل المدينة ، يا أبناء المهاجرين والأنصار والذين اتبعوهم بإحسان ، ما أصح أصلكم ، وأسقم فرعكم ! كان آباؤكم أهل اليقين ، وأهل المعرفة بالدين ، والبصائر النافذة ، والقلوب الواعية ؛ وأنتم أهل الضلالة والجهالة ؛ استعبدتكم الدنيا فأذلتكم والأمانيّ فأضلتكم ؛ فتح اللّه لكم باب الدّين فسددتموه ، وأغلق عنكم باب الدنيا ففتحتموه ؛ سراع إلى الفتنة ، بطاء عن السّنّة « 5 » ؛ عمي عن البرهان ، صمّ عن العرفان ؛

--> ( 1 ) أشرا : بطرا . ( 2 ) بطرا : أي أبطرته النعمة اختال وتكبّر . ( 3 ) القسط : العدل . ( 4 ) ناكبين : مبتعدين . ( 5 ) السنّة : الشريعة الاسلامية .